مستعدين للمجاوبة

Main Image Overlap Image

منذ اللحظة التي وُلدت فيها الكنيسة يوم الخمسين، لم تكن تسير في طريقٍ مفروشٍ بالورود، بل في ساحة صراع فكري وروحي مفتوحة. ففي أورشليم، كان الرفض اليهودي لشخص المسيح ومقاومة الإيمان بعمله الكفّاري أول اختبار حقيقي لإيمان المؤمنين الأوائل.

في الختام، دراسة علم الدفاعيات ليست رفاهية، بل ضرورة للكنيسة الكارزة في عالم متغير. من خلال هذه الحقائق الست، نرى كيف يمكننا الاستفادة منه لحماية الإيمان، تعزيز الكرازة، وتثبيت الأعضاء. هل أنت، كقارئ،لكن التحدي لم يتوقف هناك. فمع انتشار الإنجيل خارج حدود اليهودية ووصوله إلى آسيا الصغرى، دخلت الكنيسة عالمًا يعجّ بالأفكار والآلهة والممارسات الغامضة. في مدن مثل أفسس، حيث كانت عبادة الإلهة أرتميس تهيمن على الحياة الدينية (أعمال 19). لم يكن الإيمان المسيحي مجرد رسالة روحية… بل إعلانًا يتحدى منظومة كاملة من الخرافة والوثنية وعبادة الإمبراطور.

وسط هذا المشهد، لم تكتفِ الكنيسة بالصلاة والصبر، بل نهض رجال حملوا العقل والقلم كما حملوا الإيمان.

ظهر آباء الكنيسة الأوائل مثل جاستين الشهيد، وإيريناوس، وترتليان، ليقدموا دفاعًا عقلانيًا ولاهوتيًا يميّز المسيحية عن الأساطير الوثنية، ويكشف زيف الممارسات السحرية، ويبرهن أن الإيمان بالمسيح ليس قفزة في الظلام… بل استجابة للنور.

ومع نمو الكنيسة، لم تختفِ التحديات، بل تغيّر شكلها. ظهرت تعاليم منحرفة وبدع خطيرة مثل الغنوسية والأريوسية، حاولت إعادة تعريف شخص المسيح وطبيعة الخلاص. هنا أدركت الكنيسة أن عليها أن تصوغ إيمانها بدقة، أن تحدد حدود العقيدة بوضوح، وأن ترد لا بالعاطفة فقط، بل بالصياغة اللاهوتية المحكمة والحجة المنطقية المتماسكة.

واليوم، في القرن الحادي والعشرين، لم يتغير المشهد كثيرًا… لكنه لبس ثوبًا جديدًا.

  • فبدل المعابد الوثنية، لدينا تيارات فلسفية.
  • وبدل التعاويذ السحرية، لدينا أيديولوجيات فكرية.
  • وبدل البدع القديمة، تظهر بدع حديثة تتخفّى تحت عناوين براقة.

وهنا يبرز الدور الحيوي لعلم الدفاعيات المسيحية.

الدفاعيات ليست جدالًا عقيمًا، ولا استعراضًا ثقافيًا، بل هي محبة لله بالعقل، وخدمة للكنيسة بالحجة، ووقفة شجاعة أمام الأسئلة الصعبة.

الله نفسه قال: «هلم نتحاجج»، والرب يسوع أوصى أن نحب الله بكل قلوبنا… وكل أذهاننا أيضًا (متى 22).

أما الرسول بولس، فكان يدخل المجامع محاججًا ومبرهنًا، مستخدمًا المنطق والكتاب معًا (أعمال 17).

لذلك، لا يمكن أن نجيب على السائل، أو نزيل عثرة المتشكك، أو نحصّن المؤمن، دون أن نستخدم المنطق، فعلم الدفاعيات هو الدفاع العقلاني عن حقيقة الإيمان المسيحي، عبر دحض الاعتراضات، وإزالة العقبات الفكرية، وإظهار أن المسيحية متماسكة ومنطقية، بل وأفضل تفسير للواقع.

بالمعنى البسيط …

  • علم الدفاعيات هو أن تعرف لماذا تؤمن،
  • وأن تستطيع أن تشرح إيمانك بثقة،
  • وأن تقدّم للعالم أسبابًا معقولة للرجاء الذي فيك.

فالكنيسة التي وُلدت وسط الاضطهاد، ونمت وسط الوثنية، وصمدت أمام البدع، لن تتراجع اليوم أمام أسئلة فكرية. لكنها تحتاج إلى مؤمنين لا يكتفون بالإيمان القلبي…

بل يحملون أيضًا سلاح العقل.

فالسؤال ليس: هل توجد تحديات؟

بل: هل نحن مستعدون أن نجيب؟

إقرأ المزيد

«مستعدين دائمًا لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم»

(1 بطرس 3: 15)