طبيعة شخصه، وعمله الكفَّاريّ
عندما نفتح سفر التكوين، لا نتصفح مجرد صفحات قديمة مليئة بالقصص الغابرة. بل ندخل إلى نقطة الانطلاق الحقيقية لكل شيء: بداية الكون، بداية التاريخ، وبداية الإعلان الإلهي الذي يمتد عبر الكتاب المقدس بأكمله.
سفر التكوين ليس مجرد "السفر الأول" في التوراة؛ هو الأساس الذي يرتكز عليه البناء كله. بدون فهمه بشكل صحيح، تظل الكثير من الحقائق اللاحقة معلقة في الهواء، بلا جذور عميقة. في فصوله الأولى، نرى الله يخلق الكون بكلمته، ثم تدخل الخطية إلى العالم من خلال سقوط آدم وحواء، ويظهر الوعد الأول بالفداء في جنة عدن. هنا نلتقي بمفاهيم أساسية مثل الكفارة، الدينونة، والعلاقة بين الخالق وخليقته. ثم تأتي أحداث الطوفان، تبلبل الألسنة في بابل، تشتت الشعوب، وأخيرًا اختيار الله لإبراهيم ونسله، ليبدأ مسار شعب يأتي منه المخلص العظيم.
العهد الجديد مليء بالإشارات إلى سفر التكوين؛ فكتابه اقتبسوا منه مرات عديدة، معتبرين أحداثه أساسًا لفهم خطة الخلاص والتاريخ الإلهي. والأبرز أن الرب يسوع نفسه تعامل مع أحداث الفصول 1–11 كحقائق تاريخية حقيقية، لا كرموز أو أساطير تعليمية. إذا كان يسوع – الذي نؤمن أنه الله المتجسد – يعامل هذه الأحداث كتاريخ، فكيف يمكننا أن نراها مجرد رموز دون أن يمس ذلك موثوقيته؟
منذ القرون الأولى، حاول البعض فصل العهد القديم عن الجديد، مدعين اختلاف إله "الانتقام" عن إله "المحبة". لكن الكنيسة الأولى أكدت وحدة الإعلان الإلهي ووحدة شخصية الله. ومع العصر الحديث، جاء النقد الأكاديمي – النقد العالي، النقد النصي، والفلسفة الطبيعية – ليشكك في التدوين والتاريخية، ثم برزت نظرية التطور كبديل لقصة الخلق.
وفي مالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل الخلق في سفر التكوين تاريخ حقيقي، أم مجرد لغة رمزية لأفكار دينية قديمة؟ بعضهم يقترح قبول التطور "لإنقاذ" الكتاب من "التخلف" أمام العلم. لكن هذا الاقتراح يأتي بثمن باهظ: إذا أصبح آدم وحواء رمزًا فقط، يتحول السقوط إلى أسطورة، والخطية إلى مجرد مشكلة اجتماعية أو تطورية، لا فسادًا جذريًا في الطبيعة البشرية. وعندما يتغير مفهوم الخطية، يتغير مفهوم الخلاص بالضرورة، فيظهر "إنجيل آخر" يبتعد عن الإنجيل الرسولي الأصلي.
كما يدعي البعض أن كاتب التكوين اقتبس من أساطير بابلية قديمة (مثل ملحمة جلجامش)، وأعاد صياغتها. لكن حتى لو وجدت تشابهات أدبية، فالسؤال الأعمق: إن لم تكن هذه الأحداث تاريخية، فلماذا عاملها المسيح نفسه كتاريخ دون تصحيح؟ إنكار تاريخية الخلق وآدم ونوح لا يمس فصلًا واحدًا فقط؛ بل يهز أسس فهمنا لطبيعة المسيح، موثوقية كلمته، وتسلسل قصة الفداء من البداية إلى النهاية
سفر التكوين ليس مجرد ميدان صراع بين العلم والإيمان. إنه الساحة الكبرى للأسئلة الأعمق في حياتنا:
- هل للكون بداية مقصودة من خالق؟
- هل للإنسان أصل حقيقي ومعنى واضح؟
- هل للشر تفسير جذري، أم هو مجرد مرحلة تطورية؟
- هل للوعد بالفداء جذور تاريخية عميقة؟
كل هذه الأسئلة تبدأ هناك... في "البدء". دراسة سفر التكوين ليست مجرد نظرة إلى الماضي؛ بل هي عودة إلى الأساس الذي يُبنى عليه فهمنا لله، لأنفسنا، ولخطة الخلاص الكاملة.
فهل أنت مستعد للعودة إلى البداية، لتكتشف القصة كاملة بكل صدقها وأهميتها؟ الإجابة قد تغير كل شيء في حياتك.
إقرأ المزيد